محمد علي الصابوني
17
التبيان في علوم القرآن
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . « 1 » تدل على أن الدين قد كمل وتمّ فكيف تنزل بعد ذلك آيات ونقول إنها ختام القرآن ؟ والجواب على ذلك : إن اللّه عز وجل قد أكمل الدين ببيان الفرائض والأحكام ، وبيان الحلال والحرام ، فما تحتاج إليه الأمة قد بيّنه اللّه عزّ وجلّ ، وفصّل أحكامه حتى أصبحوا على ( المحجّة البيضاء ) ، وهذا لا ينافي أن تنزل بعض الآيات الكريمة التي فيها التذكير والتحذير من عذاب اللّه ، وفيها تذكير الناس بالوقفة الكبرى بين يدي أحكم الحاكمين ، في ذلك اليوم الرهيب ، الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلّا من أتى اللّه بقلب سليم . . وقد صرّح بهذا جماعة من العلماء حتى قال السدّيّ : لم ينزل بعدها حلال ولا حرام « 2 » . أول ما نزل في القتال ، والخمر ، والأطعمة : أولا - نزلت في القتال آيات عديدة ، ولكنّ هذه الآيات التي نزلت في شأن القتال كلها مدنيّة ، لأن المسلمين - في مكة - كانوا في حالة ضعف ، فكان جهادهم للأعداء باللسان لا بالسنان ، ولم يسمح لهم بقتال الأعداء إلا بعد الهجرة ، أي بعد ان تقوّى المسلمون وكثروا وأصبح لهم دولة في المدينة المنوّرة فنزل عند ذلك الإذن بالقتال ، وأول آية نزلت في القتال هي قول اللّه تبارك وتعالى في سورة الحج : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ، وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً ، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ « 3 » . فأنت ترى في هذا النصّ الكريم ما يوضح الحكمة من مشروعية الإذن بالقتال ، فلم يكن القتال إلا دفعا للظلم ، ودفعا للعدوان ، ولم يشرع إلا دفاعا عن المظلومين وردعا للمعتدين كما هو صريح النص الكريم .
--> ( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 3 . ( 2 ) أنظر : الإتقان ، ص 27 السيوطي . ( 3 ) سورة الحج ، الآيتان : 39 ، 40 .